وقفة مع السيد خاشقجي وعهد “الإعلام الجديد”..

استفتح جمال خاشقجي -رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية- بكل حماس مقاله المعنون بـ(“الوطن” هي الإعلام الجديد) قائلاً : نحن الإعلام الجديد، نحن الصحافة الالكترونية!
دهشت في الحقيقة من هذا التصريح المفاجئ، وزالت دهشتي شيئاً فشيئاً أثناء قراءتي المقال، حتى أنتهيت المقال وأيقنت بقناعة تامة أن الأستاذ جمال خاشقجي لم يكلف نفسه يوماً ما أن يفهم طبيعة ما سماه بـ “الإعلام الجديد”.
حين كتبت الرد على تدوينة الصديق طلال الشريف والتي عقّب بها على مقال خاشقجي، أدركت أني لابد من أن أفرد تدوينة خاصة أتحدث بها عن أفكاري بشكل أوسع.
قبل أن نخوض في محاولة فك هذا المصطلح الجديد نسبياً، أحب أن أشير إلى أننا أمام ظاهرة جديدة تماماً، والظواهر الجديدة في العادة تجر معها مجموعة من الممارسات والتقنيات، التي سرعان ما تُسبكّ لأجلها المصطلحات الدالة. وبتعقّد هذه الممارسات والتقنيات، يتم توليد مجموعة من المصطلحات الفرعية الدارجة تحت المصطلح الأساسي من جهة موضوعية، وهكذا نرى أن المصطلح الأساسي لن يكون سوى غطاء كبير جداً يشمل في كنفه مجموعة أخرى من المصطلحات الفرعية. وهذا مايهدد “بإفراغ” المصطلح الأساسي من معناه، ليصبح تحفة أثرية في متحف المصطلحات.
فماهو مغزى الإعلام الجديد وما مفهومه ؟
تتعدد مداخل النظر في مفهوم الإعلام الجديد وتطور وسائله في سياقات تاريخية وتكنولوجية مختلفة،
ويشير د. عباس صادق في دراسة موجزة له عن الإعلام الجديد (مرفقة أدناه) ، إلى مجموعة من وجهات النظر المختلفة للإعلام الجديد ومجموعة كبيرة من التعاريف المختلفة، مما أدى به إلى أن يصرح باستحالة وضع تعريف شامل للإعلام الجديد وذلك لأننا في مرحلة انتقالية لم تتضح ملامحها التفصيلية بعد، فهي مازالت في تطور سريع جداً. لكن يمكننا أن نستنتج عنصراً يكاد يكون شبه مُتفق عليه بين كافة تعريفات الإعلام الجديد وهو حداثة الوسائل والتقنيات التي حملتها التكنولوجيات الحديثة -ومن وجهة نظري، هذا هو المدخل الأساسي لفهم هذا المصطلح- . ثم استعرض بعد ذلك مجموعة من الرؤى الأكاديمية التي تفسر ظاهرة الإعلام الجديد ولكل منها مدخل موضوعي معين ترى الإعلام الجديد من خلاله، وقد لاحظت ميزة يكاد أيضاً يكود متفق عليه بين هذه الرؤى الأكاديمية، وهي أن الإعلام الجديد خرج من جلباب السلطة الرسمية التقليدية، إلى أيدي الناس متفاعلين ومتعاطين معه مباشرة دون الحاجة إلى وسيط، فهو ليس بثاً أحادياً، أو تلقياً إجبارياً مثل ما كانت تتميز به نظم الإعلام القديم، وليس الإعلام الجديد إعلام صحفيين وكتاب وقراء أبداً، ولكنه مجتمع متفاعل يتبادل فيه الأعضاء آراءهم ويومياتهم. وهذا بالضبط هو الجانب الآخر الذي يمكننا من مناقشة المصطلح.
وكما أشرنا في البداية إلى نشوء مصطلحات فرعية تصف جوانب معينة من المصطلح الأساسي، ففي كنف الإعلام الجديد، نشأت العديد من المصطلحات الأخرى والتي تركز على جانب محدد من الآلية التي أنشأتها/عززتها التقنيات الحديثة ، فمثلاً نسمع عن (الإعلام البديل – Alternative Media) وهذا المصطلح يستقي دلالته من جمهوريته، فهو إعلام بديل للجمهور الذي تجاوزوا الإعلام التقليدي (القديم). وهناك مصطلح (الإعلام التفاعلي – Interactive Media) وهذا المصطلح يستقي دلالته من الآلية بين المرسل والمستقبل، بحيث يصبح كلا الطرفين مرسلاً ومستقبلاً في ذات الوقت. وهناك مصطلح (الإعلام الالكتروني – Electronic Media) وهذا المصطلح يستقي دلالته من الآلية الحديثة، ومدى خدمة الالكترونيات الحديثة في إيصال الرسالة الإعلامية. وهناك مصطلح (إعلام المواطن/المشاهد – Citizen Media) وهذا أيضاً يستقي دلالته من “مصدر” المحتوى/المادة والبعيد عن السلطات الرسمية. وهناك مصطلح (الإعلام الاجتماعي – Social Media) وهذا يستقي دلالته من الوسط/البيئة التي يتم فيها التفاعل، حيث أنها بيئة اجتماعية (افتراضية). وهكذا نجد أننا ننساق وراء عدد كبير من المصطلحات الحديثة، منها ماهو معروف ومنها ماهو حبيس الدراسات الأكاديمية، والتي في مجملها تكاد تفرّغ مصطلح “الإعلام الجديد” من معناه، وتجعله هلامياً وسطحياً.
السيد جمال خاشقجي، استند في إطلاق “الإعلام الجديد” إلى الأدوات المتوفرة حوله من شاشة ماك كبيرة “تحسده عليها طالبة جرافيك ديزان” وآي فون وآي باد وبلاك بيري ولاب توب خفيف الوزن وسريع، وما أتمنى منه أن يفهمه أن هذه الأدوات ليست سوى جانب واحد فقط من دلالة هذا المصطلح -كما أوضحناها سابقاً- وإنما الجانب الآخر والدلالة الأهم لمصطلح “الإعلام الجديد” هي حول المحتوى/الرسالة ذاتها التي وفرتها هذه الأدوات، وليس الأدوات فحسب.
وفي سبيل تبسيط الفكرة أكثر ونحو مزيد من تفكيك وتفنيد الفرضية الخاشقجية ، فقد اتصلت بالأخ العزيز هادي فقيهي أثناء إعداد هذه التدوينة لأسأله عن كيفية صناعة الخبر في الصحف المحلية (بحكم عمله في صحيفة الشرق الأوسط)، لأقارن بينها وبين صناعة التدوينة في “سم ون” بما أنها إحدى واجهات الإعلام الجديد. فماذا قال لي ؟
قال: لابد أن يكون الإنسان صحفياً يعمل ضمن مؤسسة صحفية رسمية، ولو أراد صحفي في جريدة الوطن -مثلاً- أن ينشر خبراً عن أمر ما فإنه سيظل أولا محدوداً بالمعلومات التي توفرها له الجهات المسئولة والتي يؤمن غالبيتها بأنه لا حق للجمهور في الحصول على المعلومة أيا كان وقعها. سيتطلب الأمر تمرير مدير المكتب الذي يتبع له هذا الصحفي لهذا الخبر وهذا يخضع لمعايير هذا المدير ورؤيته لمفهوم المادة الصحفية. محرر الصفحة أيضا سيكون له دور في توجيه هذه المادة وقولبتها وعليه أن يراجع كافة التعاميم الصادرة من وزارة الداخلية والممررة باسم وزارة الإعلام ليتأكد أن هذه المادة لا تدخل ضمن إطار الممنوعات. توجه الصحيفة العام سيكون له تأثيره في قبول المادة فخبر عن أنشطة شبابية تطوعية ما، لن يكون كخبر لمطاردة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخاتمة الأمر سيظل هذا الصحفي محدودا بالمساحة المتوفرة على الصفحات الورقية.
وأما في مدونة “سم ون” فلا يتطلب الأمر سوى كتابة المادة وكبسة زر النشر! (صدقوني، لا يوجد أكثر من هذا) وهو تماما ما يفعله جمع كبير من الشباب والفتيات في النشر في في مدوناتهم، أو يوتيوب أو فيس بوك أو تويتر (وغيرها من واجهات الإعلام الجديد) وهذه هي أبرز أدوات الإعلام الجديد.
أنا بالطبع لا أنكر هذه الخطوة الجميلة والغير مسبوقة من صحيفة الوطن، والتي أتمنى أن تحذوا الصحف الأخرى حذوها في التجديد والرغبة في المنافسة، لكني أرفض أن تكون الوطن (إعلاماً جديداً) فالإعلام الجديد من أهم خصائصه -كما ذكرنا- الخروج من جلباب السلطة والقيود التقليدية، إلى جو من حرية النشر وعدم الخضوع لأي تعميمات حكومية أو توجيهات جمعية للصحيفة. وهذا ما لن يستطيعه السيد جمال خاشقجي ولو جعل صحيفته تنشر بالكامل على فيس بوك. ولو كان بحوزته شاشة ماك كبيرة وآي باد وآي فون وبلاك بيري ولاب توب.. “خفيف الوزن وسريع”..



مجهود مميز
مدونة العجائب والغرائب